يواصل المغرب ترسيخ مكانته كفاعل إقليمي ودولي رائد في مجال الاقتصاد الأزرق، عبر إطلاق حزمة من الاستثمارات والمشاريع الطموحة التي تهدف إلى تعزيز التنمية المستدامة وحماية الموارد البحرية. وفي هذا السياق، كشفت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري عن استثمارات بقيمة 245 مليون درهم، موجهة لـ12 مشروعاً حيوياً ضمن قطاع الاقتصاد الأزرق بإقليم آسفي، في إطار رؤية شاملة لتحويل القطاع إلى محرك جديد للنمو.
المغرب والاقتصاد الأزرق: ريادة واستراتيجية طموحة
تؤكد المملكة المغربية التزامها الراسخ بمبادرة الحزام الأزرق، التي تُعد منصة تعاونية دولية لتنفيذ حلول مبتكرة تهدف إلى تكييف قطاعي الصيد والاستزراع السمكي مع تحديات التغيرات المناخية، وتعزيز صمود المحيطات. وفي هذا الصدد، أوضحت كاتبة الدولة زكية الدرويش أن برامج تنمية الاقتصاد الأزرق لا تشكل فقط محركاً جديداً للنمو، بل تستجيب أيضاً لتحديات التنمية المستدامة، من خلال مساهمتها الفعالة في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين الظروف المعيشية للصيادين التقليديين.
آسفي في صلب التنمية الزرقاء: استثمارات ومشاريع نوعية
في إطار هذه الاستراتيجية الطموحة، أعلنت الدرويش عن الشروع في أشغال إعادة تأهيل قرية الصيادين بالصويرية القديمة، باستثمار يقدر بـ129 مليون درهم. ويهدف هذا المشروع إلى تطوير القرية لتصبح نموذجاً لقرى الصيد من الجيل الجديد، مما سيسهم في رفع القيمة المضافة لمنتجات الصيد التقليدي وتنشيط الاقتصاد المحلي.
وعلى صعيد تربية الأحياء المائية البحرية، تم إعداد مخطط شامل لتهيئة وتنمية هذا النشاط على طول ساحل جهة مراكش آسفي، الذي يمتد على مسافة 300 كيلومتر تقريباً. وقد تم تحديد مساحة 6200 هكتار صالحة للاستزراع البحري، بطاقة إنتاجية متوقعة تقارب 100 ألف طن. وقد أسفر طلب إبداء الاهتمام عن اختيار 23 مشروعاً استثمارياً، من بينها 12 مشروعاً بإقليم آسفي، باستثمار إجمالي يبلغ 245 مليون درهم، ومن المتوقع أن تُحدث هذه المشاريع حوالي 300 منصب شغل قار.
دعائم برنامج الاقتصاد الأزرق ومحاوره الأساسية
يندرج برنامج الاقتصاد الأزرق ضمن اتفاقية شراكة تجمع المغرب والبنك الدولي، ويُشرف على تدبيره وحدة إدارية تابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، بتنسيق فعال بين ثمانية قطاعات حكومية، من ضمنها قطاع الصيد البحري. ويرتكز البرنامج على ثلاث دعائم أساسية: تعزيز الأمن الغذائي، تحقيق التنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل، وحماية الموارد الطبيعية واستغلالها المستدام.
أما على مستوى التدابير المتخذة من طرف كتابة الدولة، فيرتكز دعم البرنامج على أربعة محاور رئيسية: تعزيز دور المحميات البحرية، تطوير تربية الأحياء المائية البحرية، دعم الأنشطة الساحلية، وتقوية البحث العلمي في هذا المجال.
حماية البيئة البحرية ودعم الفاعلين المحليين
في سياق حماية التنوع البيولوجي والمخزون السمكي، تم إحداث محمية موغادور البحرية التي تمتد على مساحة تقدر بحوالي 250 كيلومتراً، وتغطي أجزاء من سواحل إقليمي آسفي والصويرة. وتهدف هذه المحمية إلى إعادة تأهيل مناطق الصيد التقليدي وحماية الموائل البحرية. كما تم غمر شعاب اصطناعية تعمل كحاجز ضد الصيد الجائر، وتساهم في استدامة النظم البيئية وتطوير أنشطة الغوص الترفيهي.
وتؤكد كتابة الدولة دعمها المستمر لبرامج الأنشطة المدرة للدخل لفائدة التعاونيات العاملة داخل المحميات البحرية، بما فيها التعاونيات النسوية، مع التركيز على إدماج المرأة وتعزيز قدراتها في مجال تدبير وتثمين الموارد البحرية وتسويق منتجات الصيد.
وفي إطار دعم تعاونيات الصيد البحري، استفادت 78 تعاونية على الصعيد الوطني من دعم مالي بلغ 75 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022، من بينها تعاونيتان بإقليم آسفي نالتا دعماً ناهز 0.98 مليون درهم، إضافة إلى المواكبة التقنية وبرامج التكوين. ومن المتوقع إطلاق النسخة الثانية من البرنامج خلال سنة 2025، ليستفيد منها أكثر من 80 تعاونية بدعم يقارب 40 مليون درهم.
تأهيل الساحل وتحفيز الاستثمار
تواصل كتابة الدولة تنفيذ البرنامج الوطني لتهيئة الساحل، الذي يهدف إلى تطوير الصيد التقليدي من خلال إنشاء قرى الصيد ونقط التفريغ المجهزة. وتُعد هذه البنى التحتية أقطاباً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، تسعى إلى تحسين ظروف عيش البحارة ورفع مردودية القطاع وضمان استدامة الموارد البحرية.
كما تم اعتماد مجموعة من الإجراءات التحفيزية لدعم المستثمرين والتعاونيات، تشمل تطوير الإطار القانوني المنظم للاستزراع البحري، وإعفاء مدخلات الإنتاج من الضريبة على القيمة المضافة، وتخفيض الرسوم الجمركية على الأعلاف المستعملة إلى 2.5 في المائة حتى سنة 2026، بالإضافة إلى المواكبة التقنية والمالية.
وفي ما يخص الأنشطة الساحلية، تعمل كتابة الدولة على تنظيم صيد الأصناف الساحلية والصيد الترفيهي، من خلال إجراءات تضمن استدامة الموارد البحرية، مع التوجه نحو تعديل بعض مقتضيات التشريع المنظم للصيد البحري لتحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على الثروة السمكية.
دور البحث العلمي في استدامة الثروات البحرية
يضطلع المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH) بدور محوري في دعم الاقتصاد الأزرق، وذلك من خلال مهامه العلمية والتقنية في تقييم المخزون السمكي، وحماية النظم البيئية، وتطوير الاستزراع البحري، والمساهمة الفعالة في بلورة السياسات العمومية المرتبطة باستدامة المصايد.
تؤكد هذه الجهود المتكاملة التزام المغرب الراسخ بتحقيق تنمية بحرية مستدامة، تجمع بين الاستغلال الرشيد للموارد وحماية البيئة، بما يضمن مستقبل مزدهر للأجيال القادمة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








