تجار البازار الإيراني يغلقون متاجرهم احتجاجاً على تدهور الاقتصاد وانهيار قيمة الريال.
السياسة

البازار الإيراني: غضب اقتصادي يزلزل تحالفاً تاريخياً

حصة
حصة
Pinterest Hidden

شهدت العاصمة الإيرانية طهران ومدن أخرى في الأيام الأخيرة موجة من الإغلاقات الاحتجاجية للمتاجر في المراكز التجارية والأسواق الكبرى، على غرار مجمعي “علاء الدين” و“تشارسو”. جاءت هذه التحركات في أعقاب التدهور الحاد والمتسارع في قيمة الريال الإيراني، لتعيد “البازار” إلى واجهة الأحداث كمؤشر بالغ الدلالة على أزمة عميقة يواجهها النظام الإيراني.

البازار: قوة تاريخية مستقلة

يمثل “البازار” في اللغة الفارسية السوق، وقد لعب على الدوام دوراً فاعلاً ومحورياً في الحياة السياسية والاقتصادية الإيرانية. حافظت هذه المؤسسة على سلطتها المستقلة نسبياً، التي لم تتمكن السلطات المتعاقبة عبر التاريخ الإيراني من احتوائها بشكل كامل. فوفقاً لدراسات تاريخية، كان البازار يضم حتى منتصف السبعينات مئات الآلاف من أصحاب المحلات، ويسيطر على نسبة كبيرة من تجارة التجزئة، مع أسواق ضخمة مثل بازار طهران الذي يمتد على مساحة شاسعة ويضم آلاف المتاجر والورش.

تحالف متجذر مع المؤسسة الدينية

تكمن أهمية البازار أيضاً في علاقته الوثيقة والمستمرة مع المؤسسة الدينية الإيرانية. فقد كان هذا القطاع العريض من التجار والحرفيين الممول الأساسي لرجال الدين، مما عزز من نفوذهما المتبادل. هذا التحالف التاريخي كان له دور حاسم في تقوية معسكر الثورة الإيرانية عام 1979 وزلزلة نظام الشاه، وصولاً إلى إسقاطه.

تصدع في التحالف: من الثورة إلى الاحتجاج

بعد انتصار الثورة، خرج البازار قوياً، متوقعاً دعماً من المؤسسة الدينية التي تسلمت السلطة. إلا أن القرارات الأولى لمجلس قيادة الثورة، التي فرضت قيوداً على حرية التجارة الخارجية وتملك الأراضي، أحدثت صدمة لدى أهل البازار. ورغم حرصهم على علاقتهم برجال الدين، إلا أن مصالحهم الاقتصادية ظلت هي الأولوية، مما دفعهم لخوض معارك دفاعاً عن هذه المصالح منذ الأيام الأولى للثورة.

يُشير باحثون إلى أن النظام السياسي بعد عام 1979 سعى إلى استقطاب رجال البازار وإشراكهم في العديد من المؤسسات السياسية، مع سيطرة التيار المحافظ على البازار بشكل عام، رغم وجود شخصيات إصلاحية بارزة من عائلات تجارية معروفة.

البازار كمقياس سياسي واقتصادي

في الوجدان السياسي الإيراني، يتجاوز البازار كونه مجرد مركز تجاري ليصبح “الشبكة غير الرسمية التي تصل إلى كل طبقة اجتماعية” و“القوة البديلة للسلطة”. وإذا كان قد شهد ازدهاراً في عهد الرئيس الأسبق رفسنجاني، فإن الاحتجاجات الحالية تعكس تصدعاً عميقاً في هذا التحالف التاريخي.

فبينما كان التجار في السابق “حجر الزاوية لدعم رجال الدين”، يجدون أنفسهم اليوم تحت وطأة ضغوط اقتصادية خانقة. هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث قبل ثورة 1979، حين حاول نظام الشاه التغطية على فشله الاقتصادي باعتقال “المتربحين والمحتكرين في البازار”، وهي سياسة يرى محللون أنها تتكرر اليوم مع ملاحقة التجار بسبب انهيار العملة.

تكتسب مشاركة “البازاريين” في الاعتراض أهمية رمزية بالغة، فبازار طهران لطالما كان بمثابة “بارومتر” اقتصادي وسياسي. ولطالما كانت موجات إضراب البازار في الماضي مؤشراً على ضعف النظام. ورغم أن التحركات الحالية لم تصل بعد إلى حد الإغلاق الشامل على مستوى البلاد، إلا أنها تبعث برسالة واضحة حول حجم التحديات التي تواجهها السلطة في طهران.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة