بريد تيفي: محمد بنيس
في السنوات الأخيرة، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك، إلى سوق مفتوح للتجارة بمختلف أنواعها. غير أن هذا التحول، الذي سهّل البيع والشراء، فتح في المقابل الباب أمام ممارسات غير قانونية، يتصدّرها النصب والاحتيال عبر إعلانات مموّلة تمنح شعورًا زائفًا بالأمان والثقة.
هذا التحقيق الصحافي يسلّط الضوء على واحدة من هذه القضايا، التي كلّفت ضحيةً أزيد من مليون سنتيم، وكشفت عن أسلوب احتيالي خطير يستهدف التجار والمواطنين على حد سواء.
إعلان يبدو موثوقًا… وبداية الثقة
القصة بدأت عندما صادف صديق للصفحة إعلانًا ممولًا على فيسبوك يعرض بيع معاطف (جاكيتات) بالجملة بأثمنة اعتبرها مناسبة مقارنة مع السوق. الإعلان كان مصممًا بشكل احترافي، مدعّمًا بصور جذابة، وتفاعلات كثيرة، وتعليقات توحي بوجود نشاط تجاري حقيقي.
هذه العناصر دفعت الضحية إلى التواصل مع صاحب الإعلان، حيث دارت بينهما محادثات مطوّلة تم خلالها الاتفاق على:
نوع السلعة (معاطف)
الكمية (حوالي 400 معطف)
الثمن الإجمالي
طريقة التسليم
ولتعزيز الثقة، قام البائع بإرسال معطيات حساب بنكي يحمل اسمه الشخصي، وهو ما اعتبره الضحية دليلاً على الجدية، ليتم تحويل مبلغ مالي يفوق مليون سنتيم، مع الاحتفاظ بجميع إيصالات الأداء.
الاستلام… والصدمة
بعد التوصل بالكوليّات، قام الضحية بتوثيق لحظة الاستلام عبر فيديو، في إجراء احترازي. غير أن ما وُجد داخل الطرود كان صادمًا:
بدل المعاطف المتفق عليها، احتوت الكوليّات على 12 زوجًا فقط من الأحذية المنزلية (Pantoufles)، محشوة بالملح، في مشهد لا يمكن تفسيره إلا كعملية نصب مدبّرة بعناية.
اختفاء وحظر متعمّد
فور اكتشاف الأمر، حاول الضحية التواصل مع البائع من أجل الاستفسار وطلب التوضيح، إلا أن هذا الأخير أقدم على حظره نهائيًا من جميع وسائل التواصل، منهياً أي إمكانية للحوار أو التسوية.
هذا التصرف عزّز الشكوك حول وجود نية مسبقة للاحتيال، خصوصًا أن الإعلان ظل نشطًا، ولا يزال صاحبه يتوصل بعدد كبير من الرسائل من مهتمين آخرين.
تتبع المعطيات ومحاولة الاستماع للطرف الآخر
في إطار هذا التحقيق الصحافي، تم الاطلاع على مجموعة من الوثائق والأدلة، من بينها:
إيصالات التحويل البنكي
محتوى الكوليّات المستلمة
فيديو يوثّق لحظة الاستلام
المحادثات التي سبقت عملية التحويل
كما تم التواصل مع الشخص المشتبه فيه قصد الاستماع إلى وجهة نظره. غير أن تصريحاته جاءت متناقضة؛
إذ أنكر في البداية أي علاقة له بالواقعة، ثم صرّح لاحقًا باستعداده لتبرئة نفسه، قبل أن يتحول خطابه فجأة إلى لهجة تهديد، ما زاد من تعقيد الموقف وأثار تساؤلات إضافية.
مسار قانوني… لكن الخطر مستمر
الضحية لم يكتفِ بالمتابعة الرقمية، بل لجأ إلى المصالح المختصة وسلك المسار القانوني بمؤازرة محامٍ، خاصة أن هوية المشتبه فيه ومعطياته البنكية واضحة ومثبتة.
غير أن خطورة القضية لا تكمن فقط في الخسارة المالية، بل في كون نفس الأسلوب الاحتيالي لا يزال مستمرًا، عبر إعلان ممول يستقطب ضحايا محتملين جدد، ما يعني أن النزيف مرشّح للتواصل.
اللجوء إلى السلطة الرابعة: حين يصبح الإعلام خط دفاع
أمام هذا الوضع، قرر المشتكي اللجوء إلى السلطة الرابعة، ليس بدافع التشهير، بل انطلاقًا من قناعة مفادها أن الإعلام يلعب دورًا أساسيًا في:
تنبيه الرأي العام
فضح الأساليب الاحتيالية
الحد من تكرار هذه الأفعال غير المسؤولة
فالهدف، حسب تصريح الضحية، لم يعد فقط استرجاع المبلغ، بل حماية الآخرين، خصوصًا في ظل تزايد الإقبال على التجارة عبر مواقع التواصل، وغياب الوعي الكافي بمخاطر الإعلانات المموّلة.
دعوة للضحايا الآخرين
هذا التحقيق يفتح الباب أمام كل من سبق له التعامل مع نفس المعلن، أو تعرّض لوقائع مشابهة، للتواصل من أجل تجميع الملفات والمعطيات، والمساهمة في وقف هذا النوع من الجرائم الرقمية التي تسيء للتجارة الإلكترونية وتضرب الثقة بين الناس.
خاتمة
في زمن أصبحت فيه الإعلانات المموّلة تُسوَّق كرمز للمصداقية، تبرز هذه القضية كجرس إنذار حقيقي.
فالتحقق، والتريث، وعدم تحويل الأموال دون ضمانات قانونية واضحة، تبقى إجراءات أساسية لا غنى عنها.
وردّوا بالكم… فالنصب الإلكتروني يتطور، لكن الوعي يظل السلاح الأقوى. والله يهدي الجميع.







